ضجة غير مسبوقة… هل شهدت الساعات الماضية حدثاً صادماً على مستوى سوريا؟
خلال الساعات الأخيرة، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بموجة عارمة من الأخبار المتلاحقة، بعضها متناقض، بعضها غامض، وبعضها بدا كما لو أنه قادم من خلف ستارة سميكة من التسريبات غير المؤكدة. لكن ما أثار انتباه الجميع هو تكرار الحديث عن “حدث كبير يجري في كواليس المشهد السوري”، وازدياد وتيرة منشورات تتحدث عن اضطراب سياسي مفاجئ، دون أن يقدم أي منها معلومة دقيقة أو مصدر واضح.
وبين عشرات المنشورات، ظهر خبر أشعل النقاش العام بشكل غير مسبوق، وبدأ ينتقل بسرعة مخيفة بين الصفحات: حديث عن تطور خطير يمس رأس الهرم السياسي في البلاد. ورغم عدم وجود أي تفاصيل رسمية، إلا أن الطريقة التي انتشر بها الخبر، وتفاعل الجمهور معه، جعلت كثيرين يتساءلون عمّا يجري فعلاً، وهل البلاد أمام سيناريو جديد أم أمام جولة من الإشاعات التي اعتادت عليها المنطقة.
المفارقة أنّ أغلب المنشورات التي تداولها الجمهور كانت تعتمد على عناوين مثيرة دون محتوى يثبت أي معلومة. بعضها استند إلى “مصادر خاصة”، وبعضها الآخر اكتفى بجملة واحدة غامضة، ثم ترك المجال للتأويل والقلق والتكهنات. ومع غياب البيانات الرسمية، ازدادت الضبابية وتحوّل الموضوع إلى لغز يزداد تعقيداً كل دقيقة.
لكن ما الذي جعل هذه الموجة تنتشر بهذه السرعة؟ غالباً يمكن إرجاع الأمر إلى عاملين أساسيين:
1) حساسية المرحلة السياسية التي تمر بها البلاد.
2) الجمهور المتعطش لأي معلومة—even لو كانت غير متأكدة—في ظل انعدام الوضوح الإعلامي.
وإذا نظرنا إلى طبيعة هذه الشائعات، نجد أنها تتبع نمطاً واضحاً تكرر في عدة دول: تبدأ بناشر مجهول، تنتشر عبر مجموعات مغلقة، ثم تخرج عبر صفحات عامة تبحث عن التفاعل، فتتحول إلى “ترند”. وهنا تكمن الخطورة، إذ تصبح الإشاعة أقرب للحقيقة في ذهن الناس، فقط لأنها انتشرت على نطاق واسع.
وما زاد الطين بلّة أن بعض الصفحات تناولت الموضوع وكأنه حقيقة، مستخدمة لغة حادة ومؤثرة، ما دفع المستخدمين للتفاعل الكبير معها. لكن مع كل ذلك، لم تُسجّل أي وسيلة إعلامية رسمية أو مؤسسة إخبارية معروفة خبراً يؤكد حدوث أي طارئ من النوع الذي يتم الترويج له.
المتابعون الذين حاولوا تقصّي الحقيقة وجدوا أنفسهم أمام طريقين: الأول مليء بالتضخيم، والثاني خالٍ من المعلومات. فلا جهة رسمية تحدثت، ولا مصدر موثوق علّق، ولا تصريح خرج ينفي أو يؤكد. ومع هذا الفراغ، يصبح الجمهور فريسة سهلة للمحتوى الموجّه.
اللافت أيضاً أنّ بعض الصفحات بدأت تربط بين الإشاعة وبين أحداث سياسية واقتصادية جرت خلال الأسبوع الماضي، وكأنها تحاول بناء قصة متكاملة لإقناع الجمهور بأن “هناك شيئاً كبيراً يحدث”. وبدأ البعض يحلل المشهد، ويتخيل سيناريوهات، وينشر توقعات، رغم عدم وجود معلومة واحدة موثوقة.
هذا النوع من المحتوى يحقق أرقاماً هائلة، لأنه يلعب على وتر القلق الشعبي، ويستخدم أسلوب “التسريب الحصري” دون أن يقدم دليلاً واحداً. ولهذا أصبح من الطبيعي أن تنتشر الشائعة خلال دقائق، حتى لو كانت غير قابلة للتصديق.
وبما أن الموضوع لمس شخصية سياسية حساسة مثل الرئيس أحمد الشرع، فقد تضاعفت وتيرة التفاعل. فالجمهور اعتاد أن أي خبر يتعلق برأس الدولة يصبح تلقائياً حديث اليوم، سواء كان سلبياً أم إيجابياً. وهذه طبيعة المشهد العام في المنطقة: أي فراغ معلوماتي يُملأ بسرعة بالإشاعات.
المثير أكثر أن بعض الصفحات ادّعت أنّ لديها “تسجيلات صوتية” أو “صور خاصة” دون أن تعرض شيئاً. وبعضها بدأ بإعادة تدوير أخبار قديمة وإلصاقها بالحدث الحالي، في محاولة لخلق رواية تبدو مترابطة أمام المتابع رغم أنها لا تستند إلى واقع.
هذا كله بدأ يثير الريبة لدى الكثيرين، وخاصة أولئك الذين يتابعون الأحداث عن قرب ويعرفون أن مثل هذه الأخبار غالباً تُفبرك لاستهداف حالة الاستقرار أو لاختبار رد فعل الشارع. ومع ذلك، فإن غياب الرد الرسمي لمدة ساعات طويلة كان كفيلاً بأن يعزز انتشار الإشاعة لأمد أطول.
وهنا لا بد من التذكير بأن مصادر الأخبار الموثوقة تعتمد على البيانات الرسمية أو على معلومات موثقة من جهات معروفة، بينما ما انتشر خلال الساعات الماضية جاء عبر صفحات مجهولة الهوية. وهذا وحده كافٍ لإثارة الشكوك حول صحة الادعاءات التي تتحدث عن “اغتيال” أو “استهداف مباشر”.
ومع ذلك ظل السؤال الأكبر يراود الجمهور: هل ما يجري مجرد حملة تضليل؟ أم أن هناك خبراً خطيراً يتم التعتيم عليه؟ ولماذا لم يصدر أي تصريح مباشر؟ هذه الأسئلة دفعت البعض لكتابة تحليلات طويلة تصف ما يجري بأنه “أخطر من مجرد إشاعة”.
لكن الحقيقة ظهرت تدريجياً، وبعد ساعات من التداول المكثف، بدأت معلومات واضحة تتسرب من مصادر واقعية: لا يوجد أي طارئ أمني، ولا أي حادث استهدف الرئيس أحمد الشرع، ولا حتى مؤشر صغير على صحة ما تم تداوله. كل ما نُشر كان مجرد إشاعة ضخمتها الصفحات الباحثة عن المشاهدات.
وبحسب المعطيات المؤكدة التي ظهرت لاحقاً، يتبيّن أن الرئيس أحمد الشرع يمارس نشاطه بشكل طبيعي، ولم يتعرض لأي استهداف أو حادث، وأن الشائعة لا تختلف عن عشرات الشائعات التي خرجت سابقاً واستُخدمت لأهداف سياسية أو إعلامية أو حتى لتحقيق الربح من التفاعل.
وبذلك يتضح في نهاية المطاف أن ما تم تداوله كان مجرد خبر ملفّق لا أساس له من الصحة، انتشر لأن بيئة التواصل الاجتماعي أصبحت خصبة لمثل هذه الأكاذيب، ولأن البعض يجد في تضخيم الأحداث وسيلة لتحقيق الانتشار على حساب الحقيقة.
الخلاصة: لا يوجد أي اغتيال، ولا أي استهداف، ولا أي معلومات تشير إلى حادث يتعلق بالرئيس أحمد الشرع. كل ما حدث هو إشاعة ضخمتها الإنترنت، وسرعان ما انكشف زيفها بمجرد وصول المعلومات الحقيقية.





0 تعليقات